Saturday, April 14, 2007

نشرة الاخبار


نشرة الأخبار !؟- د. عائض القرني

كنتُ في صباي أعيشُ بقرية جملية جنوب السعودية. تنام هذه القرية في سفح جبل أخضر، وكنتُ استمع لهيئة الإذاعة البريطانية (B.B.C) صباح مساء فكان يتردد على مسمعي اسم ماجد سرحان وهدى رشيد المدفعي وحسن الكرمي في برنامج «قول على قول»، والذي كنتُ أسجله وأحفظ أكثر أبياته و«السياسة بين السائل والمجيب»، وسماع أقوال «الغارديان» و«الصاندي تايمز» و«الديلي ميرور»، وغيرها من الصحف البريطانية، فكانت مدرسة إعلامية رائعة، فلما كبرنا ودلفت الفضائيات أمطرنا في العالم العربي بنشرة الأخبار الطويلة الثقيلة والتي تحمل فصولاً وأبواباً، فيبدأ المذيع بالأخبار السياسية منذ وصول الضيف إلى أرض المطار وفتح باب الطائرة والنـزول من السلم وعزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف وتناول القهوة العربية وأحياناً «النسكافي» وفي المغرب العربي الشاي الأخضر ثم مرافقة الضيف إلى المكان المعد، ثم الأخبار المحلية كافتتاح مدرسة ابتدائية ليلية لمحو الأمية وذكر فقرات الحفل والقصائد التي أُلقيت بهذه المناسبة العالمية وافتتاح سوق الخضرة في قرية، وترميم مستوصف أهلي بالبادية، ثم أخبار الرياضة وخروج المنتخب مبكراً من أرض الملعب مهزوماً ثمانية صفر لرداءة الجو وهطول الأمطار، ثم سباق الخيل والهجن والمزايين، ثم حالة الطقس وحالة البحر والريح والجبال والسهول والوديان وطلوع الشمس وكسوفها وخسوف القمر، ويُروى أن مذيعاً ضيّع ورقة حالة البحر فارتجل من رأسه غيباً وقال: البحر هائق ومائق ويطيش على الناس أي هائج ومائج، ومذيع آخر كانت دولته في حالة حرب فترك النص أمام عينيه وارتجل من الحماس وقال: «زمرة التشطير والانفصال قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون». ومذيع آخر توفيَّ ابن رئيس دولته في حادث سير فبكى المذيع في الأخبار وأخذ يقول: «إلى جنة الخلد أيها الفقيد الشهيد». والمذيع العربي هو الوحيد الذي لا يستطيع الحياد حينما يقرأ الأخبار بل تغلبه عواطفه، فتجده إذا خُفض سعر الغاز في بلده تهلل وجهه وتبسم وغمرته الفرحة. وإذا مات مدير مدرسة متقاعد بكى وغلبته دموعه. ونشرة الأخبار غالباً تأتي بعد تناول طعام العشاء فتجد بعض المذيعين يتجشأ، وهو يقرأ الخبر ويقول: «عفواً عفواً». وبعضهم يشير بيديه، وهو يقرأ الأخبار من شدة الحماس والانفعال كأنه يلقي قصيدة في سوق عكاظ. ويُروى أن أحد المذيعين فاتته الصيدلية المناوبة تلك الليلة، فقال مرتجلاً: صيدلية العيدروس خلف الدوار العام أمام الجامع الكبير، ونشرة الأخبار في العالم العربي أطول نشرة في العالم، مع العلم أنها في العالم الغربي بلد الصناعة والإنتاج لا تأخذ إلا دقائق معدودة، وأنا اقترح أن توزع نشرة الأخبار على سائر اليوم حتى يخف على المشاهد متابعتها ولا يضيق صدره وتنطمس بصيرته من طولها، فحبذا أن تكون نشرة الأخبار السياسية بعد الظهر إلى قبيل العصر؛ ليتمكن الناس من الغداء والقيلولة وبعد العصر الأخبار المحلية، أما أخبار الرياضة فبعد صلاة المغرب وبعد العشاء حالة الطقس، ثم يُترك الناس لتناول طعام العشاء، ثم نشرة الصيدليات المناوبة، وبهذا يأخذ المتلقي الكريم الأخبار على دفعات ويتناولها على جرعات «يتجرّعه ولا يكادُ يُسيغه ويأتيه الموت من كل مكان» وإذا لم يُعمل بهذا الرأي فسوف تبقى التلفزيونات المحلية كما هو الحال مهجورةً لا يشاهدها إلا من رزقه الله الصبر وسعة البال ليكفر الله عنه الخطايا بحلمه وسعة باله، متى نعيش روح العمل والإنجاز على حساب القول والابتزاز؟ متى نودع الهذيان والإسهال اللفظي والإسهاب الخطابي ونعيش المعرفة الصادقة والوضوح مع النفس والناس؟ أربعون سنة ونشرة الأخبار في العالم العربي على وضعها الأول وبحالها، تحمل النشرة الخبر والبشرى والعزاء والمديح والهجوم المضاد ومعايشة التفاصيل اليومية التي تجري في كل شارع وقرية، قال: عبد الله البردّوني:
* وقاتلتْ دوننا الأبواقُ صامدةً - أما الرّجالُ فماتوا ثمَّ أو هربُوا
* وأطفئتْ شهبُ الميراجِ أنجمنَا - وشمسَنا وتحدّتْ نارَها الخطبُ
* نحن أمة البيان فأين إيجاز وإعجاز القرآن، لقد سمع أعرابي قوله تعالى: «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين»، فاندهش الأعرابي وصاح: «الله أكبر في آية واحدة أمران ونهيان وبشارتان». كتب الرسول ( إلى هرقل فقال: «أسْلِمْ تَسْلَمْ"». وكتب سليمان إلى بلقيس: «أنْ لاَ تَعلُوا عليَّ وأتوني مسلمين». وكتب خالد إلى عياض بن غنم «إيّاكَ أُريد». وقال راكان بن حثلين: ما قلَّ دلَّ وكثرةْ الهرجْ نيشانْ والهرجْ يكفي صاملهْ عن كثيره.
وقال الأول:
* قالوا خذ العين من كلٍّ فقلتُ لهم: - في العينِ فضل ولكنْ ناظرُ العينِ

يا فخامة الرئيس


يا فخامة الرئيس ؟! - د. عائض القرني


على إسرائيل أن تطمئن ولا تخاف من مفاعلات إيران النووية، فلن تكون إيران أغْيَر من العرب على أرض العرب، ولن تكون أحرص على أرض الإسلام من سلالة المهاجرين والأنصار، وما دام العرب عجزوا عن فتح بيت المقدس، فإيران أذكى من أن تورّط نفسها في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. وبيت المقدس في التاريخ الإسلامي فُتِح مرتين على يد قائدين مسلمين عظيمين صالحين هما: عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي تجمعهما التقوى والزهد والعدل والشجاعة، ولن يفتح بيت المقدس إلا قائد تقي زاهد عادل شجاع، ولا يفتحه قائد جاء على دبابة الاستعمار فلا بد للفتح من نكاح لا سفاح، وفي الحديث الصحيح: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وغالب الرؤساء تولّوا برتبة عريف، فكان أول مرسوم لهم أن ترقوا إلى رتبة فريق، اقتباساً من الآية (فريق في الجنة وفريق في السعير)، أما الجيوش العربية فغالبها متهيئة للانقلابات في بلادها، فكل دولة عربية في الغالب تتربص بجارتها وتتوعّدها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، وغالب الشوارع العامة في الدول العربية مرفوعة فيها أقواس النصر وصور القائد الرمز الملهم الضرورة، حتى أني دخلتُ بلداً عربيّاً، وإذا صورة الرئيس القائد على الجسور وعليه النياشين والنجوم، وعيناه كعيني الصقر، وهو يشير بيده للجماهير كأنه ليث كاسر وتحت قدميه عبارات سر بنا إلى الأمام، يا حبيب الملايين، ويا نصير المستضعفين، مع العلم أن ثلث الشعب من المشرَّدين، والثلث الآخر من المسجونين، والثلث الباقي يبيع الحلقوم والجوارب على طريق السالكين:
* وحـدويّون والبلاد شظايـا ـ كل جزء من جسمهـا أجزاءُ
* ناصريّون نصـرهم أين ولَّى ـ يوم داست على الخدود الحذاءُ؟
* ماركسيّون والجماهير جوعى ـ فلمـاذا لا يشبـع الفقـراء؟
والعرب مشغولون بذكرى أعياد كبرى، مثل ثورة 7 تموز، يوم أكل الناس قشر الموز، وثورة 9 كانون يوم ذاق الشعب النون وما يعلمون، و5 آب يوم سفَّت الجماهير التراب، وهذه الثورة المجيدة تمّت بمؤامرة لاغتيال الرئيس السابق في آخر الليل، وبهذه الطريقة صار العرب نكرة في المحافل الدولية:
* ولا يجوز الابتداء بالنكره ـ ومن أجاز ذاك فهو بقره.
والعرب شجعان في الحروب الأهلية أو مع جيرانهم العرب، ففتح وحماس، في كرب وباس، كل يحطّم رأس أخيه بالفاس، وحزب الله وعدنا بنصر الله في القدس، فإذا القتال في بيروت تحت شعار (إذا جاء نصر الله والفتح)، والسودان يفور، من الخرطوم إلى دارفور، كأنه على دافور، وقادة الجهاد السبعة في أفغانستان تقاتلوا في ما بينهم، وكل منهم مجاهد شهيد، وخصمه منافق رعديد، والسلاح العربي غالبه (خردة) انتهت صلاحيته؛ لأنه بيع في عهد برجنيف وبعضه من عهد ديغول، والجماهير تصفّق بمناسبة افتتاح مستوصف في قرية من القرى وفتح طريق مسفلت طوله 3 كم، وكثيرٌ من الشباب عاطل عن العمل بعدما أكمل دراسته إلى رابعة ابتدائي ليلي من محو الأمية، وأخذ كل شاب هراوة بيده، وهم يرقصون ويرددون (الحسود في عينه عود)، وما أدري من هو هذا الحسود الغبي الذي حسد العرب ولم يحسد أهل الاختراعات والاكتشافات، والذين احتلوا المريخ وعطارد بعدما احتلوا البحار والقفار، وأنزلوا حاملة الطائرات (إيزن هور) في مياه الخليج لتحمل مائة طائرة وكل مسمار من مساميرها كتمثال فخامة الرئيس، إذاً فعلى إسرائيل أن لا تخاف حتى يظهر مثل عمر وصلاح الدين؛ لأن الماركة مسجّلة والبضاعة لا بد أن تكون من شركة مكّة الربانيّة النبوية، عليها دمغة: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) تربّوا في (بيوت أذن الله أن تُرفع) وهم من كتيبة (يحبهم ويحبونه) العلامة الفارقة (سيماهم في وجوههم)، والأمة التي رُزِقت عادل إمام سترزق بإمام عادل

صح النوم يا عرب

صح النوم يا عرب - د. عائض القرني
في الحديث الصحيح: «ويل للعرب من شرٍ قد اقترب»، ولكن العرب في غفلة عما يُراد بهم، يعقد العرب قمماً محفوظة التوصيات فإن
وجّهت لإسرائيل كان النص (يجب على إسرائيل أن تنسحب بدون قيد ولا شرط)، وإن كانت في الخليج كان النص (يجب على إيران أن تنسحب من جزيرة طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبي موسى)، لكن إسرائيل وإيران أذكى من أن تخادعا كما يخادع الصبيان، ويلعب عليهما كما يعلب على الولدان، فلذلك قام الآيات في طهران بتخزين النووي في الأفران، وقام الحاخامات أتباع موشي دايان بتجهيز المزدوج لوقت العدوان (فبأيّ آلاء ربكما تُكذبان)। ونصيحتي أن يحوِّل العرب تكاليف القمم ويصرفوها في مجمعات سكنية للفقراء، أو ملاجئ للأيتام، أو حفر آبار للمساكين، أو يجمعوا هذه التكاليف الباهظة التي تُصرف في الفنادق والتشريفات والضيافات فيقيموا بها مفاعلا نوويا ولو كان في ذلك عقوق للغرب وخروج عن طاعته (لكن ما باليد حيلة)، وأرجو من العرب التخفيف من حسن النية بالجيران والإخوان، فوالله لو حلف الآيات في إيران، بين الركن والمقام في رمضان على القرآن في ساعة الاستجابة أن قصدهم بالمفاعل النووي كمبوديا والخمير الحُمر، لما صدّقهم عاقل، وليت العرب سمعوا صديقي الشاعر: خلف بن هذال :

* ولا تأمن فروخ الداب لو عاشن وبوهن مات

* تجيك الصبح بانيابٍ تناسل كنّها انيابه وإلى متى نصدق عواطفنا المجنّحة،

أيها العرب: يسلم عليكم زهير ويقول:

* وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ - يُهَدَّم ومن لا يظلم الناس يظلم

* ويقول لكم أبو الطيب صباح الخير يا عرب صح النوم يا إخوة أما قرأتم أنشودة الكفاح لي:

* وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها - وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

* فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفروا بِهِ - وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ يقول عوام نجد: (يا زين الطرير ولو بحلقي) يعني ما أحسن السيف الحاد البتَّار ولو قطع حلقي. ويقول الشاعر الجنوبي بن عزيز (جعل راس بلا ناموس تكسر عظامه) لن تنفعنا العرضات الشعبية إذا التهب الجو وأظلمت السماء (بشررٍ كالقصر كأنه جمالتٌ صُفْر). إن المواثيق والكتب لا تجدي مع قوة الآخر وسلاحه وفتكه، يقول استالين (لا تحدثني كم عند البابا من كتاب، ولكن كم عنده من دبّابة) ذكر ذلك الداود في كتاب (متعة الحديث)، يقول نزار قباني:

* يا ابن الوليد ألا سيف تُؤجِّره - فإن أسيافنا قد أصبحت خشبا؟

ومن حقنا كمواطنين عرب أن نطلب من القيادات حمايتنا والاستعداد للخطر القادم، وعلينا أن نتوب من حفلات الانتصار ورفع أقواس النصر كما قال الدكتور غازي القصيبي عن الزعيم المزعوم:

* تمشي الهزيمةُ مشياً فوقَ منكبهِ - لكنّه باحتفالِ النصرِ في شُغُلِ أيها العرب: والله لو جدَّ الجد وأرسلت عليكم الشهب من خرّم شهر وتل أبيب ما تنفعكم الأسهم والبورصات والجلسات والكبسات والأمسيات والحفلات، ومن أنذر فقد أعذر. يقول الدكتور سلمان العودة (لقد استغرقنا حياتنا في جزئيات صغيرة قضّينا فيها العمر على حساب قضايا هامة ومسائل كبرى فتخلَّف بنا الركب). ولعلمكم فقد اتجهت مركبة فضائية إلى كوكب عطارد ونحن مشغولون بالتراث الشعبي، وكلما نصحناهم قالوا: (الذي ما له قديم ما له جديد)، فهل قديمنا جفنة مكسَّرة وآنية فخار بالية، ورشى حبال ممزّقة، وفأس ومنجل ومطرقة، فأصبحنا نخجل من العالم أن يشاهدوا وضعنا، يقول الدكتور أحمد التويجري:

* إذا تفاخرَ بالأهرامِ منهـزمٌ - فنحن أهرامنا سلمانُ أو عمـرُ

* أهرامنا شادَها طه دعائمُها - وحيٌ من الله لا طينٌ ولا حجرُ